التعليم على مفترق طرق… ورسائل لا ينبغي أن تضيع النقابي “سبويه محمد لوليد”

ليس من السهل أن يقضي الإنسان سنوات عمره في العمل النقابي، يدفع ثمن مواقفه من راحته ووقته وعلاقاته، ثم يجد نفسه مطالباً في كل مرة بإثبات حسن النية. ومع ذلك، ظل النقابيون الحقيقيون يؤمنون بأن الدفاع عن الحقوق لا يتعارض مع الدفاع عن استقرار الوطن، وأن الحكمة ليست تنازلاً، وإنما فن التوفيق بين الممكن والإمكان، وبين صلابة الموقف وضرورات المرحلة.

لقد اختارت الحركة النقابية في التعليم، في محطات كثيرة، تغليب الحوار على التصعيد، وإعطاء الفرصة للمبادرات الرسمية، والمساهمة في تهدئة الساحة كلما اقتضت المصلحة الوطنية ذلك. لكن تهدئة الساحة لا يمكن أن تتحول إلى سياسة دائمة من طرف واحد، بينما تتأخر القرارات، وتتجمد الملفات، ويغيب التواصل، وتُرحّل الوعود من موسم إلى آخر.

لقد قيل الكثير عن صندوق دعم سكن المدرسين منذ أن كان مجرد فكرة،وبعد إعلانه من سيادة الرئيس كذلك. وبدلاً من أن تُحتضن المبادرة باعتبارها آلية للتكافل بين أفراد الأسرة التربوية، وتحقيقا لمطلب ثالث او رابع، انهالت عليها الاتهامات والتشكيك وسوء الفهم. ورغم ذلك، لم يتراجع المؤمنون بالمشروع، لأنهم كانوا يدركون أن المؤسسات الكبرى تبدأ دائماً بفكرة يؤمن بها أصحابها. غير أن غياب المواكبة الرسمية المتوقعة بداية ، وبطء الإجراءات، وعدم الحسم في التفاصيل، جعل المشروع يواجه عراقيل لم يكن سببها المؤمنون به.

واليوم، تبدو ملفات القطاع وكأنها تدور في حلقة مفرغة. فالمسابقات الداخلية متوقفة، وكأن آلاف المدرسين لا يستحقون فرصاً عادلة للترقية والتطور المهني. ولجنة تثمين المدرس ما زالت تنتظر الاعتماد، بينما يزداد شعور العاملين في القطاع بأن الاعتراف بتضحياتهم لا يزال مؤجلاً.

أما الحوار الاجتماعي القطاعي في التعليم، فقد أصبح ضرورة لا تقبل التأجيل. فالقرارات التي تُصنع بعيداً عن أهل الميدان غالباً ما تكون أقل قدرة على معالجة الواقع. كما أن الحوار الاجتماعي الوطني يمثل فرصة تاريخية لإغلاق ملفات مزمنة، من بينها مراجعة التعويضات العائلية، وتحسين أوضاع المتقاعدين المدنيين، بما يحقق قدراً أكبر من العدالة والإنصاف، ويزيل الفوارق غير المبررة في أنظمة الحماية الاجتماعية في بلدنا.

ومن القضايا التي تستحق الوقوف عندها أيضاً مستقبل التمثيلية النقابية. فقد كان الاعتراف بها مكسباً وطنياً، لكنه بدأ يفقد قيمته بسبب بطء التنفيذ، وتأخر استكمال مقتضياته، وعدم توفير مقرات للنقابات الفائزة أو تمكينها من الوسائل التي تساعدها على أداء رسالتها. إن الاعتراف القانوني وحده لا يكفي، إذا لم يُترجم إلى شراكة مؤسسية حقيقية.

ولعل أكثر ما يثير القلق أن التعليم لم يحضر بالقدر الذي يستحقه في النقاش العمومي. ولم يكن غياب أي سؤال عن التعليم في المؤتمر الصحفي الأخير لفخامة رئيس الجمهورية مجرد تفصيل إعلامي، بل مؤشر على أن هذا القطاع، رغم أهميته، لا يزال بعيداً عن مركز الاهتمام الذي يستحقه. والتعليم ليس ملفاً عادياً، بل هو القضية التي تتوقف عليها جودة الإدارة، والاقتصاد، والصحة، والأمن، ومستقبل الأجيال.

إن الرسائل التي يبعثها المدرسون والنقابيون ليست رسائل مواجهة، وإنما رسائل إنذار مبكر. والمؤسف أن هذه الرسائل قد لا تصل دائماً إلى دوائر القرار، أو تصل بعد أن تمر عبر مستويات إدارية تحجب مضمونها، أو تخفف من حدتها، أو تعيد تفسيرها بما يخدم مصالح ضيقة. وهنا تضيع الفرصة قبل أن تُناقش المشكلة.

لقد آن الأوان لإعادة الاعتبار للمدرس، ليس فقط برفع دخله، وإنما بفتح آفاقه المهنية، وتقدير خبرته، والاستماع إلى ممثليه، وإشراك القوى النقابية والعمالية في صياغة السياسات العمومية. فالتنمية لا تُبنى بقرارات فوقية، وإنما بشراكة حقيقية مع من يحملون أعباء الميدان.

لقد تحمل النقابيون، عبر عقود، ضغوطاً كبيرة، وخسر كثير منهم فرصاً ومكاسب شخصية، لأنهم آمنوا بأن الدفاع عن الحقوق رسالة قبل أن يكون موقفاً. ومن حق هؤلاء أن يجدوا اليوم دولة تنظر إليهم باعتبارهم شركاء في الإصلاح، لا مجرد أصحاب مطالب.

إن إنقاذ التعليم لم يعد خياراً سياسياً قابلاً للتأجيل، بل أصبح ضرورة وطنية. فكل يوم يمر دون إصلاح حقيقي يوسع الفجوة بين المدرسة وطموحات المجتمع، وكل وعد لا يجد طريقه إلى التنفيذ يضعف الثقة، ويزيد الاحتقان.

ويبقى الأمل قائماً في أن تتحول المرحلة المقبلة إلى مرحلة قرارات شجاعة، تضع التعليم في مكانه الطبيعي، وتعطي المدرس ما يستحقه من كرامة، وتمنح العمل النقابي المكانة التي يستحقها كشريك في البناء، لا كخصم في الميدان. فالأوطان التي تُكرم معلميها وتستمع إلى نقاباتها هي الأوطان الأقدر على صناعة المستقبل.

سيبويه سيدي محمد لوليد

عن Elmansour

شاهد أيضاً

هل ستكون وثيقة الحوار بداية مرحلة جديدة للوطن؟

يمثل التوقيع على وثيقة الحوار الوطني لحظة سياسية تستحق التوقف والتأمل، ليس لأنها مجرد وثيقة …