محمد ولد عبدالله يكتب : “لا مأمورية ثالثة… ولا مساس بالمحصَّن من الدستور”
ساعتين مضت
آراء حرة
30 زيارة
في لحظات التحول السياسي، تتجدد بعض الأصوات التي تراهن على ذاكرة قصيرة للشعوب، وتظن أن تكرار الشعارات كفيل بتحويل المستحيل إلى ممكن، أو بإلباس المخالفة ثوب الضرورة الوطنية. غير أن الحقيقة الراسخة التي لا تقبل التأويل هي أن الدستور، حين حصّن المواد المحددة للمأموريات الرئاسية، إنما فعل ذلك ليضع حداً فاصلاً بين دولة المؤسسات ودولة الأشخاص، وبين التداول السلمي على السلطة ونزعة التأبيد في الحكم.
إن المأموريات المحددة ليست تفصيلاً إجرائياً يمكن الالتفاف عليه بخطاب عاطفي عن الاستقرار أو استمرار البناء أو صيانة المكتسبات. بل هي جوهر الفلسفة الدستورية التي قامت عليها الجمهورية، وعنوان نضجها السياسي. فحين يُحصَّن النص، فإنما يُحصَّن من نزوات اللحظة، ومن ضغوط الحاشية، ومن غواية السلطة حين تطول.
لقد أثبتت التجارب في محيطنا الإفريقي أن الدعوة إلى المأمورية الثالثة تكاد تكون وصفة جاهزة تُستدعى كلما شارفت المأمورية الثانية على نهايتها: تُرفع شعارات الاستقرار، وتُستحضر مشاريع التنمية، ويُلوَّح بشبح الفراغ أو الفوضى. غير أن الدولة التي تقوم على المؤسسات لا تخشى تداولاً، ولا ترتبك أمام استحقاق دستوري معلوم. أما الدولة التي تُختزل في شخص، فهي التي تخاف الغد، لأنها لم تُحسن بناء ما بعده.
إن المساس بالمواد المحصَّنة ليس تعديلاً تقنياً، بل هو انقلاب ناعم على روح العقد الاجتماعي. وهو، قبل أن يكون إخلالاً بنص مكتوب، هو إخلال بثقة المواطن في أن الدستور ليس وثيقة ظرفية، بل مرجعية عليا تعلو على الرغبات والأشخاص. فإذا فُتح باب التحصين مرة، فلن يُغلق بسهولة، وستصبح كل مادة قابلة للتأويل، وكل ضمانة عرضة للتفاوض.
ومن هنا، فإن القول الفصل الذي ينبغي أن يظل واضحاً لا لبس فيه: لا مأمورية ثالثة، ولا تعديل دستورياً يمس المواد المحصَّنة. ليس تعصباً لأشخاص، ولا خصومة مع أحد، بل وفاءً للدستور الذي ارتضاه الشعب، وصوناً لقاعدة التداول التي هي صمام أمان الاستقرار الحقيقي.
فالاستقرار لا يصنعه بقاء الحاكم، بل احترام القواعد. والتنمية لا تتوقف على فرد، بل على مؤسسات راسخة. والنهضة لا يحرسها شخص مهما علا شأنه، بل يحرسها دستور محترم، وقضاء مستقل، وشعب واعٍ بحقوقه.
إن المستقبل الذي يُبنى على احترام النصوص أصلب عوداً وأبقى أثراً من حاضر يُمدَّد بتأويلات عابرة. وما كان محصَّناً بإرادة الأمة، لن يُفك قيده بإرادة طارئة