همسات مسائية (1986–2026): “أربعون عاماً تُكتَبُ بالطبشور على جدار الذاكرة”

ليست أربعون سنةً مجرد رقمٍ يُسجَّل في دفاتر الخدمة، بل كانت عمراً كاملاً انسَكَب بين دفاتر التعليم ووجوه التلاميذ، بين صبرٍ طويل وأملٍ لم يَخْفُتْ يوماً، منذ أن تخرجت سنة 1986 أستاذاً أحمل رسالةً أكبرَ من الوظيفة، وأثقلَ من العمر نفسه.

كان الطريق طويلاً، غير أنه لم يكن خالياً من المعنى أو الأثر؛ بل كان رحلةً عامرةً بتفاصيل الحياة، وحافلةً بوجوهٍ صغيرةٍ كبرت أمامي عاماً بعد عام.

 كان صوت الطباشير على السبورة، وحبر الأقلام على الدفاتر، وتلك المحاولات المتكررة لصناعة الفهم والقيم في نفوس الناشئة، هي زاد الأيام ورفيق المسيرة.

تنقلتُ بين مؤسسات التعليم الثانوي: من مقطع لحجار إلى بوگي، ثم روصو…

 وفي كل محطة كنت أترك جزءاً من قلبي هناك، وأمضي بجسدٍ أنهكه العمل، غير أن الرسالة كانت تُبْقِيه ثابتاً، شامخاً، متمسكاً بالواجب رغم التعب.

ولم تكن الدروس التي أقدمها مجردَ معارف تُلَقَّن، بل كانت محاولةً صادقةً لصناعة إنسانٍ أكثر وعياً، وأكثر صبراً، وأكثر قدرةً على حمل وطنه في قلبه لا في شعاراته.

ومضت السنوات…

حتى تخرّج على يدي، بفضل الله، مئاتٌ من التلاميذ، صار كثيرٌ منهم اليوم في مواقع المسؤولية، يكتبون فصولاً مشرقة من تاريخ هذا الوطن. 

وكان أعظم ما يواسي القلبَ أن أرى أثرَه ممتداً فيهم، كأن العمر لاينتهي عند صاحبه، بل يتوزع في حياة الآخرين.

وكانت تلك الرحلة، رغم ما فيها من تعب، مُفعَمةً أيضاً بمواقف الوفاء؛ فقد مرّ بي رجالٌ من أهل الفضل، مدُّوا لي أيدي الإنصاف في زمنٍ كان فيه الإنصاف عزيزاً.

ومنهم الأستاذ الفاضل محمد السالك ولد الطالب، الذي عملتُ معه حين كان مديراً جهوياً للتهذيب بولاية الترارزة. خلال سنوات، فكان جزاه الله خيراً سبباً في حصولي على مقرر الترسيم، وما ترتَّب عليه من حقوقٍ مهنية استمرت لاحقاً في عهد خلفه الأستاذ محمدن ولد حمدي.

ثم جاءت محطة السنغال، حين حملني التكليف إلى معهدٍ عربي هناك، فكانت تجربةً مختلفةً في سياقٍ جديد، قبل أن تعيدني الأيام إلى أرض الوطن بعد سنتين فقط، حين لم تعد لغة تخصصي (اللغة العربية التي تلقيت بها تكويني) حاضرة في تدريس مادتي (العلوم الطبيعية) في بلادي كما كانت.

ومع ذلك، لم تغب عن الذاكرة لمساتٌ إنسانية لا تُنسى، خفَّفَت من ثقل الطريق، ومن بينها الموقف النبيل للأستاذ الفاضل سيدي محمد ولد محمذن، مدير ثانوية الإمتياز (1) بانواكشوط، الذي سعى بعد عودتي إلى إلحاقي بطاقمه الإداري، في لفتةٍ بَدَتْ لي أكثر من مجرد إجراءٍ إداري، 

بل اعترافاً صامتاً بقيمة عمرٍ طويل في الخدمةوالعطاء،فجزاه الله عني خيرا الجزاء.

وإنني حين أستعيد هذه العقود، لا أرى الأرقام، بل أرى الوجوه:

وجوهَ التلاميذ الذين كبروا، وابتساماتِ النجاح التي مرَّت أمامي سريعاً، وكلماتِ الشكر التي كانت تكفيني في لحظات الإنكسار.

فأُدرِك أن ما يُبْقِي هذه الرحلة حيَّةً ليس ما أخذناه منها، بل ما تركناه في قلوب الآخرين دون أن نشعر.

الحمد لله الذي وفَّق وأعان، وجعل لنا أثراً طيباً في نفوس أجيالٍ تعاقبت.

وختاماً، أسأل الله العلي القدير أن يحفظ وطننا موريتانيا، وأن يبارك في قيادته، ويوفق فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني لما فيه خير البلاد والعباد، ويعين حكومته برئاسة معالي الوزير الأول السيد المختار ولد اچاي على حمل الأمانة، ويشدَّ أزر القائمين على قطاع التربية، وعلى رأسهم معالي وزيرة التربية وإصلاح النظام التعليمي السيدة هدى بنت باباه، لما يبذلونه من جهودٍ مخلصة للنهوض بالمدرسة الجمهورية ومواكبة طموحات العصر، وأن يجعل أعمالهم خالصة لوجهه الكريم، وأن يوفق الجميع لما فيه رفعة الوطن وصلاح أبنائه.

إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

          الشيخ أحمد سالم ولد أحمدو 

              مواطن من مقاطعة كرمسين.

عن Elmansour

شاهد أيضاً

حول إغفال بعض المعالم والأسر في الحديث عن مدينة اندَرْ

تابعتُ – عبر موقع يوتيوب – بعض الفعاليات التي تضمّنها مهرجان المذرذره الدولي، وقد استفدتُ …