الشناقطة والمشرق العربي: جسور علم راسخة تتجاوز تقلبات الزمن
5 ساعات مضت
تدوينات
27 زيارة
لم تكن صلة الشناقطة بالمشرق العربي وليدة ظرف سياسي أو تفاعل عابر، بل هي علاقة علمية ضاربة في العمق، تأسست على الرحلة في طلب العلم، والتفرغ للتحصيل، ثم الإسهام الفاعل في التدريس والتأليف وبناء المؤسسات العلمية.
فمنذ قرون، شدّ علماء شنقيط الرحال إلى مصر والحجاز وبلاد الشام، حاملين معهم رصيدًا علميًا متينًا تشكّل في المحاظر، ومصحوبًا بروح الإنضباط والجد في الطلب.
وقد وجد هؤلاء العلماء مكانتهم سريعًا في المشرق، لِمَا عُرِفوا به من رسوخ في علوم اللغة والفقه وأصوله، وسعة في الحفظ والإطلاع. ولم يقتصر دورهم على التلقي، بل شاركوا في إحياء الدرس العلمي داخل مؤسسات عريقة مثل الأزهر الشريف، وحلقات العلم في الحرمين، حيث تولّى كثير منهم التدريس والإفتاء، وكان لهم أثر ملموس في تكوين أجيال من العلماء والطلاب.
ويمثل الشيخ محمد محمود ولد التلاميد نموذجًا بارزًا لهذا الحضور في مصر، إذ أُسندت إليه مهمة تدريس علوم لغوية لم تكن مألوفة في الجامعات آنذاك، وخاض مناظرات علمية تركت أثرًا واضحًا في الحياة الفكرية، وتتلمذ على يديه أعلام كبار أصبحوا لاحقًا من رموز الفكر والأدب، مثل طه حسين وأحمد حسن الزيات.
كما كان للعلماء الشناقطة حضور راسخ في الحجاز، حيث شاركوا في حلقات العلم بالحرمين الشريفين، ومن أبرزهم العلامة آب ولد أخطور، الذي عُرف بعلمه ومكانته. وامتد هذا التأثير إلى بلاد الشام، وخاصة الأردن، عبر العلماء الأجلاء أبناء مايابى، الذين جمعوا بين التدريس والمشاركة في العمل العلمي والمؤسسي.
وفي مقابل هذا الإرث العميق، يبرز اليوم خطر طغيان الخلافات السياسية الآنية على هذه الروابط التاريخية، فتُستدْعى خطابات انفعالية لا تعبّر عن حقيقة العلاقة التي صاغها العلم ورسّختها الأخوّة عبر القرون.
غير أن التاريخ يعلّمنا أن السياسة تتبدل، بينما يبقى أثر العلماء هو العلامة الأصدق على تواصل الأمم.
وهكذا، وفي هدوء التاريخ بعيدًا عن ضجيج اللحظة، يظل الإرث العلمي الشنقيطي شاهدًا على أن ما يحفظ مكانة الشعوب هو علمها، وأن ما يجمع بينها حقًا هو المعرفة، لا الإنفعال ولا الصخب العابر.
الشيخ أحمدسالم ولدأحمدو
مواطن من مقاطعة كرمسين.