أحرف سياسية لا تريد التنقيط … “الحضرامي حرمة”

ليست كل الأحرف قابلة للتنقيط ، ولا كل الرسائل تكتب لتقرأ بوضوح ، فثمة خطاب سياسي يتقن الإيحاء ، ويستبدل وضوح المواقف بصناعة الانطباعات ، والعمل الملموس بتسويق الاحتمالات .
وفي مشهدنا الوطني ، تبرز الحاجة إلى التمييز بين السياسة بوصفها مسؤولية والتزاما ، والسياسة حين تبتعد عن الوضوح المؤسسي وتغلب عليها التقديرات الفردية ، فليس كل موقع تفويضا ، ولا استدعاء المناصب دليلا كافيا على امتلاك الشرعية السياسية أو تمثيل الإرادة العامة .
إن الانتماء إلى الاحزاب السياسية ليس عنوانا يستحضر عند الحاجة ، ولا مظلة توظف خارج أطرها ، بل هو التزام بخياراتها ، واحترام لهيئاتها ، وانضباط لمرجعياتها ، كما أن اتساق المواقف مع المسؤوليات التنظيمية يظل أساسا للثقة والعمل السياسي الرصين ، بعيدا عن الانتقائية أو تضارب الأدوار ، وينبغي للموظفين والمنتخبين والمناضلين المنتمين إليها أن يلتزموا بالانضباط ، وأن ينسجم سلوكهم ومواقفهم ، في حدود مسؤولياتهم ، مع توجيهات الحزب وقرارات هيئاته ، بما يعزز وحدة الصف ويصون الثقة في مؤسساته .
غير أن الالتزام الحزبي لا يلغي حق النقد الداخلي والتعبير المسؤول ، ولا يحول دون طرح الملاحظات والاقتراحات عبر القنوات التنظيمية المناسبة ، فالنقد البنّاء ، حين يستند إلى الوقائع ويحترم الأشخاص والمؤسسات ويتجنب التشهير والتحريض ، يمكن أن يسهم في تصحيح الاختلالات وتحسين الأداء ، وتظل وحدة الحزب أقوى حين تقوم على الحوار والانضباط معا ، لا إلى تحويل الاختلاف المشروع إلى خصومة ، كما أن الاعتبارات الوطنية والشرائحية ، بما تحمله من مكانة واعتبار ، ينبغي أن توظف بما يعزز الوحدة الوطنية وخدمة الصالح العام ، لا أن تتحول إلى أدوات للمناورة السياسية أو إلى وسائل لتسويق طموحات لا تسندها الوقائع ، فالوطنية قيمة جامعة ، والانتماء الاجتماعي عنصر من عناصر النسيج العام ، والمناصب الوظيفية والتمثيلية لا تمنح أصحابها حق اختزال الإرادة الوطنية في تصوراتهم الخاصة .
إن موريتانيا أكبر من أن تختزل في إشارات ملتبسة ، واحتياجها إلى سياسة تقاس بالعطاء ، ومواقف تختبر بالانظباط ، يظل أكبر من صناعة الانطباعات أو تجاوز الأدوار المحددة .
ومن موقع المسؤولية السياسية ، فإن التمسك بالانضباط التنظيمي ليس خصومة مع أشخاص ، بل دفاع عن قواعد العمل السياسي السليم ، وعن حق المناضلين والمواطنين في أن تقدر جهودهم ، وأن تقدم الالتزامات الجماعية والمصلحة العامة على أي اعتبارات فردية ، كما أن احترام الانضباط الحزبي يقتضي من الموظفين والمنتخبين الالتزام بمرجعيات الحزب ، وتجنب المواقف الفردية التي قد تربك العمل الجماعي أو توحي بتعدد مراكز القرار ، مع الحفاظ على حقهم في إبداء الرأي والنقد المسؤول ضمن الأطر التي تكفلها القواعد التنظيمية .
فالسياسة الرصينة لا تستمد قوتها من غموض الرسائل ، والمبالغة في تقمص دور الضحية ، بل من وضوح المواقف ، والصدق مع الذات ، كما أنها لا تصنع شرعيتها باستثمار المناصب ، وإنما بالعمل والالتزام ، أما الأحرف التي ترفض التنقيط ، فقد تؤجل انكشاف المعنى ، لكنها لا تستطيع أن تمنع الحقيقة من الظهور .

الحضرامي ولد الشيخ ولد حرمة

عن Elmansour

شاهد أيضاً

قراءة في رد العميد أبيجل ولد هميد على تصريحات الوزير السنغالي السابق

تابعت باهتمام كبير ردود الفعل على التصريحات الأخيرة لوزير الخارجية السنغالي السابق السيد الشيخ التجاني …