أحرف سياسية لا تريد التنقيط … “الحضرامي حرمة”
ساعة واحدة مضت
تدوينات
16 زيارة
ليست كل الأحرف قابلة للتنقيط ، ولا كل الرسائل تكتب لتقرأ بوضوح ، فثمة خطاب سياسي يتقن الإيحاء ، ويستبدل وضوح المواقف بصناعة الانطباعات ، والعمل الملموس بتسويق الاحتمالات .
وفي مشهدنا الوطني ، تبرز الحاجة إلى التمييز بين السياسة بوصفها مسؤولية والتزاما ، والسياسة حين تبتعد عن الوضوح المؤسسي وتغلب عليها التقديرات الفردية ، فليس كل موقع تفويضا ، ولا استدعاء المناصب دليلا كافيا على امتلاك الشرعية السياسية أو تمثيل الإرادة العامة .
إن الانتماء إلى الاحزاب السياسية ليس عنوانا يستحضر عند الحاجة ، ولا مظلة توظف خارج أطرها ، بل هو التزام بخياراتها ، واحترام لهيئاتها ، وانضباط لمرجعياتها ، كما أن اتساق المواقف مع المسؤوليات التنظيمية يظل أساسا للثقة والعمل السياسي الرصين ، بعيدا عن الانتقائية أو تضارب الأدوار ، وينبغي للموظفين والمنتخبين والمناضلين المنتمين إليها أن يلتزموا بالانضباط ، وأن ينسجم سلوكهم ومواقفهم ، في حدود مسؤولياتهم ، مع توجيهات الحزب وقرارات هيئاته ، بما يعزز وحدة الصف ويصون الثقة في مؤسساته .
غير أن الالتزام الحزبي لا يلغي حق النقد الداخلي والتعبير المسؤول ، ولا يحول دون طرح الملاحظات والاقتراحات عبر القنوات التنظيمية المناسبة ، فالنقد البنّاء ، حين يستند إلى الوقائع ويحترم الأشخاص والمؤسسات ويتجنب التشهير والتحريض ، يمكن أن يسهم في تصحيح الاختلالات وتحسين الأداء ، وتظل وحدة الحزب أقوى حين تقوم على الحوار والانضباط معا ، لا إلى تحويل الاختلاف المشروع إلى خصومة ، كما أن الاعتبارات الوطنية والشرائحية ، بما تحمله من مكانة واعتبار ، ينبغي أن توظف بما يعزز الوحدة الوطنية وخدمة الصالح العام ، لا أن تتحول إلى أدوات للمناورة السياسية أو إلى وسائل لتسويق طموحات لا تسندها الوقائع ، فالوطنية قيمة جامعة ، والانتماء الاجتماعي عنصر من عناصر النسيج العام ، والمناصب الوظيفية والتمثيلية لا تمنح أصحابها حق اختزال الإرادة الوطنية في تصوراتهم الخاصة .
إن موريتانيا أكبر من أن تختزل في إشارات ملتبسة ، واحتياجها إلى سياسة تقاس بالعطاء ، ومواقف تختبر بالانظباط ، يظل أكبر من صناعة الانطباعات أو تجاوز الأدوار المحددة .
ومن موقع المسؤولية السياسية ، فإن التمسك بالانضباط التنظيمي ليس خصومة مع أشخاص ، بل دفاع عن قواعد العمل السياسي السليم ، وعن حق المناضلين والمواطنين في أن تقدر جهودهم ، وأن تقدم الالتزامات الجماعية والمصلحة العامة على أي اعتبارات فردية ، كما أن احترام الانضباط الحزبي يقتضي من الموظفين والمنتخبين الالتزام بمرجعيات الحزب ، وتجنب المواقف الفردية التي قد تربك العمل الجماعي أو توحي بتعدد مراكز القرار ، مع الحفاظ على حقهم في إبداء الرأي والنقد المسؤول ضمن الأطر التي تكفلها القواعد التنظيمية .
فالسياسة الرصينة لا تستمد قوتها من غموض الرسائل ، والمبالغة في تقمص دور الضحية ، بل من وضوح المواقف ، والصدق مع الذات ، كما أنها لا تصنع شرعيتها باستثمار المناصب ، وإنما بالعمل والالتزام ، أما الأحرف التي ترفض التنقيط ، فقد تؤجل انكشاف المعنى ، لكنها لا تستطيع أن تمنع الحقيقة من الظهور .
الحضرامي ولد الشيخ ولد حرمة