حين يصبح الانضباط الحزبي مسؤولية جماعية، لا امتيازًا فرديًا… “كوتل عبيد’
ساعتين مضت
تدوينات
13 زيارة
في العمل السياسي المؤسسي، لا تُقاس شرعية المسؤول بقدرته على فرض حضوره في المشهد، ولا تُختزل قوة القيادة في توجيه الانتقادات للمناضلين، وإنما تُقاس بمدى احترامها للنظم الداخلية، والتزامها بالاختصاصات المحددة، وقدرتها على جمع الصفوف، وصون كرامة المناضلين، وترسيخ ثقافة المسؤولية والمحاسبة.
وإذا كان الانضباط الحزبي ضرورة لا غنى عنها لاستقرار المؤسسات السياسية، فإن السؤال الجوهري الذي ينبغي طرحه هو: هل الانضباط الحزبي واجب على المناضلين وحدهم، أم أنه التزام متبادل يشمل كذلك رؤساء الأقسام والمنتخبين وأصحاب المسؤوليات التنظيمية؟
إن حزب الإنصاف، بوصفه إطارًا سياسيًا تحكمه مرجعياته ونظمه الداخلية، لا يمكن أن يُدار بمنطق الاجتهادات الفردية، أو أن تُفسَّر المسؤوليات التنظيمية باعتبارها تفويضًا مطلقًا يمنح صاحبها سلطة معنوية على بقية المناضلين. فالمسؤولية الحزبية، مهما علت درجتها، تظل مقيدة بالاختصاص، وموجهة لخدمة المشروع الجماعي، وخاضعة لمقتضيات العمل المؤسسي.
أولًا: الانضباط الحزبي التزام متبادل وليس أداة انتقائية.
إن الحديث عن الانضباط التنظيمي يجب أن يبدأ من احترام القواعد التي تنظم العلاقة بين الهيئات الحزبية وأعضائها، لا من توجيه الخطاب التأديبي إلى فئة دون أخرى. فإذا كان المناضل مطالبًا باحترام مرجعيات الحزب وقرارات هيئاته المختصة، فإن المسؤول الحزبي مطالب بدوره باحترام اختصاصاته، وتجنب تحويل موقعه التنظيمي إلى وسيلة للإقصاء أو الانتقاص من الآخرين.
ولا يستقيم أن يُستحضر الانضباط حين يتعلق الأمر بمساءلة مناضل، ثم يُغفَل حين يتعلق الأمر بتصرفات مسؤول أو منتخب أو رئيس قسم. فالمعيار المؤسسي السليم واحد، والمساءلة لا تكتسب مشروعيتها من موقع الشخص، وإنما من القواعد المنظمة للعمل الحزبي والإجراءات التي تكفل تطبيقها بعدل وموضوعية.
ثانيًا: رئاسة القسم مسؤولية تنظيمية وليست ملكية شخصية.
إن رئاسة القسم الحزبي، مهما كانت أهميتها، ليست ملكية خاصة، ولا تمنح صاحبها حق احتكار التمثيل السياسي، أو تحديد من يستحق الاحترام ومن يجوز التقليل من شأنه، أو التعامل مع المناضلين وفق اعتبارات شخصية.
فالرئيس الحقيقي لقسم حزبي هو الذي يوسع دائرة المشاركة، ويستمع إلى مختلف الآراء، ويحتوي الاختلافات، ويحرص على أن يشعر كل مناضل بأن له مكانته ودوره داخل التنظيم.
أما حين تتحول المسؤولية إلى مصدر للتعالي، أو وسيلة للتشفي من المخالفين، أو مناسبة لاستعراض النفوذ أمام المناضلين، فإننا نكون أمام إشكال في ممارسة المسؤولية يستوجب المعالجة المؤسسية، لا أمام تطبيق سليم لمفهوم الانضباط الحزبي.
ثالثًا: القانون والنظام الداخلي فوق الاعتبارات الشخصية.
من الناحية القانونية والإدارية، ينبغي التمييز بين الصلاحيات التي تمنحها القواعد التنظيمية للمسؤول الحزبي، وبين الممارسات التي قد يتجاوز بها حدود اختصاصه. فالمسؤولية لا تُنشئ صلاحيات من تلقاء نفسها، ولا يجوز افتراض وجود سلطة تأديبية أو تمثيلية لمجرد شغل منصب تنظيمي.
كما أن أي مساءلة حزبية ينبغي أن تستند إلى النصوص والإجراءات المعمول بها، وأن تُمارس من الجهات المختصة، مع احترام حق المعني بالأمر في إبداء وجهة نظره والدفاع عن موقفه، وفق ما تقرره القواعد ذات الصلة.
ومن هنا، فإن الاحتكام إلى النظام الداخلي لحزب الإنصاف وقرارات هيئاته المختصة هو الطريق السليم لحسم الخلافات التنظيمية؛ لا التفسيرات الشخصية للنصوص، ولا إطلاق الأحكام على المناضلين، ولا استخدام الخطاب السياسي لإضفاء مشروعية على مواقف لم تُحسم وفق الإجراءات المعتمدة.
رابعًا: احترام المناضلين ليس مجاملة، بل ضرورة لاستمرار العمل الحزبي.
إن المناضلين الذين يساهمون في بناء الهياكل الحزبية، ويحضرون الاجتماعات، ويشاركون في الأنشطة، ويدافعون عن خيارات الحزب، لا ينبغي أن يُنظر إليهم باعتبارهم مجرد أدوات تستدعى عند الحاجة ثم يُنتقص من شأنها عند الاختلاف.
فالعمل الحزبي لا يقوم بالمسؤولين وحدهم، ولا تستمد الهياكل قوتها من الألقاب، بل من ثقة أعضائها، ومصداقية ممارساتها، ومدى قدرتها على تحويل الانتماء السياسي إلى عمل جماعي منظم.
والاختلاف في الرأي لا يسقط صفة النضال عن صاحبه، كما أن مخالفة مسؤول في تقدير سياسي لا تعني بالضرورة الخروج عن مرجعية الحزب. وإنما ينبغي التمييز بين النقد المسؤول، والمخالفة التي تعالجها النصوص التنظيمية، وبين أي سلوك تثبت مخالفته للقواعد بعد اتباع الإجراءات المختصة.
خامسًا: المنتخبون والمسؤولون مطالبون بالقدوة قبل المطالبة بالانضباط.
إن المنتخبين والموظفين ورؤساء الأقسام وسائر أصحاب المسؤوليات المنتمين إلى الحزب، كلٌّ في حدود موقعه واختصاصه، يتحملون مسؤولية مضاعفة في احترام القواعد المنظمة للعمل الجماعي، وتجنب المواقف التي قد تُفهم على أنها إقصاء أو استعلاء أو احتكار للتمثيل.
ولا يعني ذلك إلغاء حقهم في التعبير عن آرائهم، وإنما يعني أن ممارسة هذا الحق ينبغي أن تراعي الالتزامات التنظيمية والضوابط القانونية والإدارية ذات الصلة، من دون تحويل الانتماء الحزبي إلى ذريعة لإسكات النقد أو الانتقاص من المخالفين.
فالمسؤول الذي يطالب الآخرين بالانضباط مطالب بأن يقدم نموذجًا في احترام المؤسسات، والذي يدعو إلى وحدة الصف مطالب بأن يسهم في بنائها، والذي يتحدث باسم التنظيم مطالب بأن يميز بين موقفه الشخصي والموقف الصادر عن الهيئة المختصة.
سادسًا: وحدة الحزب لا تُبنى بالتشفي، بل بالعدالة التنظيمية.
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي مؤسسة سياسية ليس اختلاف الآراء في حد ذاته، بل تحول الاختلاف إلى خصومة شخصية، وتحول المسؤولية إلى أداة لتصفية الحسابات، وتحول الانضباط إلى شعار يُرفع في وجه البعض ويُتجاوز عند البعض الآخر.
فالحزب القوي ليس الذي يخلو من الاختلاف، وإنما الذي يمتلك آليات مؤسسية لمعالجته. وليس الذي يُقصي أصحاب الآراء المخالفة، وإنما الذي يميز بين النقد المشروع والمخالفة التنظيمية وفق قواعد واضحة. وليس الذي يمنح المسؤول حصانة معنوية، وإنما الذي يرسخ ثقافة المسؤولية والمحاسبة على أساس واحد.
ومن هذا المنطلق، فإن الدفاع عن الانضباط الحزبي لا يعني الدفاع عن الأشخاص، كما أن المطالبة باحترام المناضلين لا تعني رفض القيادة، بل إن كليهما وجهان لعمل سياسي مؤسسي سليم، قوامه احترام الاختصاصات، والالتزام بالقواعد، وتكافؤ المعايير.
وخلاصة الموقف:
لسنا ضد الانضباط، بل ضد الانتقائية في تطبيقه. ولسنا ضد المسؤوليات الحزبية، بل ضد تفسيرها باعتبارها امتيازات شخصية. ولسنا ضد القيادات، بل نؤمن بأن قوة القيادة تظهر في قدرتها على جمع المناضلين، لا في توسيع دائرة الخلاف معهم.
كما أننا لا نطالب بإعفاء أي مناضل من المساءلة، وإنما نطالب بأن تكون المساءلة مؤسسية، وأن تستند إلى قواعد معلومة، وأن تُمارس من الجهات المختصة، بعيدًا عن التشفي الشخصي والأحكام المسبقة.
إن حزب الإنصاف أكبر من أن يُختزل في شخص، وأوسع من أن تحتكره مجموعة، وأرسخ من أن تتوقف مؤسساته عند تقديرات فردية.
فالمواقع التنظيمية تتغير، والمسؤوليات تتداول، والأشخاص يذهبون ويجيئون، لكن المؤسسات لا تستقيم إلا باحترام قواعدها، وصيانة حقوق أعضائها، وتقديم المصلحة الجماعية على الاعتبارات الشخصية.
أما المناضلون، فهم شركاء في البناء، لا خصوم ينبغي الانتصار عليهم؛ والاختلاف معهم مناسبة للحوار، لا مبرر للتشفي منهم.
فالانضباط الذي لا يبدأ من المسؤول قبل المناضل يظل ناقصًا، والشرعية التنظيمية التي لا تحترم قواعدها تفقد جزءًا من معناها، والقيادة التي لا تتسع للاختلاف تحتاج إلى مراجعة أساليبها، لا إلى توسيع دائرة الاتهام.
تلك هي السياسة المؤسسية التي نريدها: مسؤولية بلا استعلاء، وانضباط بلا انتقائية، ونقد بلا تجريح، وقيادة تحترم المناضلين، ومؤسسات يكون فيها النظام الداخلي مرجعًا للجميع، لا سلاحًا في يد البعض.
والسلام على من جعل من المسؤولية خدمة، ومن الانضباط التزامًا، ومن السياسة أخلاقًا ومؤسسات، ومن الاختلاف طريقًا للإصلاح لا بابًا للإقصاء.
كوتل عبيد حرطان