الرئيسية / تدوينات / الطريق إلى وادان : نبهاني امغر

الطريق إلى وادان : نبهاني امغر

كان الليل يتَسَلَّل رويدا رويدا إلى شوارع نواكشوط عندما غادرناها، في بداية رحلة إلى الشمال.

بعد زحمة مرور خانقة في تقاطع جسر الحي الساكن قيد الإنشاء والشوارع الواردة إليه والصادرة منه، أسلمتنا تلك الشوارع إلى الطريق الرابط بين نواكشوط وازويرات.. اعتدلنا في جلستنا وأحكمنا اغلاق زجاج نوافذ سيارتنا رباعية الدفع، تفاديا لتسرب هواء دجنبر الليلي البارد في صحراء “تفلي”، إلينا داخل السيارة.
كان الطريق سالكا وجيدا في عمومه.. تجاوزنا بعضا من الشاحنات الكبيرة التي تنقل معادن إينشيري، وتجاوزتنا بعض من السيارات الصغيرة والمتوسطة.. رافقتنا في سباسب “تفلي” و “إينشيري” مصابيح خِيَّمِ باعة لبن الإبل المتناثرة كالأحجار الكريمة يمنة ويسرة وكأنها قلادة مضيئة تطوق جيد فارعة زنجية جميلة.. قطعنا “تفلي” و “إينشيري”.. كنت وأنا أمر من تلك الطريق المعبدة يراودني شعور بمن مروا من تلك الصحراء خلال تاريخها المترع بالمارين، حتى مطاط عجلات الشاحنات المدفون على خدي الطريق، يحكي لك بصمت حكايات من سلكوها ولكأني أتفحص أجيال المسافرين منذ الأزل.
أوصلتنا “إنشيري” إلى “آدرار”.. كان الليل قد قارب الانتصاف وخفت حركة السيارات في الاتجاهين، وأصبح من الممتع أن تسافر عبر المكان بدنيا في نفس الوقت الذي تسافر فيه عبر الزمان ذهنيا.. وصلنا أطار بعد أن تجاوز الليل نصفه.. كانت شوارع أطار المضاءة ترحب بنا بصمت.. التهمت سيارتنا المسافة بسرعة، حيث أوصلتنا إلى بقية زملائنا الذين تقدموا موكبنا.
بتنا بقية ليلتنا في أطار، ومع خيوط الصباح الأولى غادرناه.. كان الجو معتدلا إلى حد ما، حين فتحت لنا جبال آدرار الشامخة أحضانها، ومع أن مَعْبَر ولد ابنو، الذي يشق هضبة “آدرار” العظيم، بشكل تصاعدي دائري، يشعرك بالخوف، فإن جلال المكان وجميل صنع الإنسان، يشعرانك بطمأنينة لاتوصف وألفة غير متوقعة مع الصخور التي يخيل إليك أنها ستنحط عليك من علٍ .. واصلت سيارتنا صعود “آدرار”، وحين وصلت إلى قمته مرتفعة كثيرا عن مستوى سطح البحر ومستوى سطح مدينة أطار، استوت الطريق فوق “آدرار” الأشم متجهة إلى وادان، حيث كان المكان مقفرا إلا من بعض السيارات في الاتجاهين وبعض من هوائيات الاتصالات التي توضع عليها اللمسات الأخيرة.. بدت الأرض مجدبة وقد طال عهدها بالروائح والغوادي.
وصلنا ضحوة وادي التمر والعلم؛ مدينة العلماء الحُجاج، وفي مدخل سور المدينة القديمة العظيم الذي يدلف منه الداخل إلى مآذنها ودورها وشوارعها بما فيهم شارع الأربعين عالما.. كانت تنتصب على الجبل الأشم وقد كتبت أحرفها الذهبية على لوح صخري يرحب بالقادمين، ولوادان تاريخ طويل مع اللوح والقلم والمداد، كانت المدينة تحمل على كتفيها وبزهو جليل، قرابة ألف عام من المجد المعرفي الذي لا يطاول.. صافحت فيها عندما دخلتها الأعلام: سيدي محمد بن أحمد بن أبي بكر، وسيد أحمد بن أيدَّ القاسم، وسيد احمد بن حبيب الله، والطالب أحمد بن اطوير الجنه، وغيرهم.. وكان ما كان..!

عن Elmansour

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.